محمد طاهر الكردي
116
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم
موت عبد اللّه بن عبد المطلب أب النبي صلى اللّه عليه وسلم فلما تزوج عبد اللّه بن عبد المطلب آمنة بنت وهب وبنى بها حملت برسول اللّه ، ثم لم يلبث عبد اللّه بعد الحمل بنحو شهرين على أرجح الأقوال أن سافر مع رفقة من مكة إلى المدينة للتجارة يمتار تمرا وليزور أخواله بني عدي بن النجار ، سافر وحده وترك زوجته آمنة ؛ لئلا يشق عليها السفر بالجمال وهي حامل . وصل عبد اللّه إلى المدينة فنزل عند أخواله ، ثم مرض لديهم شهرا ، فرجع رفقاؤه إلى مكة وأخبروا أباه عبد المطلب بمرضه ، فبعث إليه ولده الحارث أو الزبير ، فوجده قد مات بالمدينة ودفنه أخواله في دار من دورهم ، وهي دار النابغة وما زال قبره بالمدينة معروفا إلى اليوم . فرجع الحارث وهو أكبر أولاد عبد المطلب فأخبر أباه بموت عبد اللّه ، فحزن عليه عبد المطلب حزنا شديدا ؛ لأنه أحب أولاده إليه وعريس جديد ، كما حزنت عليه زوجته آمنة بنت وهب أشد الحزن ؛ لأنها عروس حامل لم تتمتع بزوجها إلا قليلا . مات عبد اللّه سريعا غريبا في دار الهجرة وهو في عنفوان شبابه ، مات وابنه " محمد " صلى اللّه عليه وسلم جنين في بطن أمه ، ليخرج ابنه الذي سيكون خاتم النبيين والذي سيرسله اللّه تعالى رحمة للعالمين ، إلى الدنيا يتيما كما اقتضته الحكمة الإلهية - فما أبلغها من حكمة وما أدق أسرارها - أنه ما رأى والده وما رآه والده ، فقد مات وهو في بطن أمه بعد زواجه بها بشهرين ، كما أن هذا اليتيم الكريم ، عليه الصلاة والتسليم ، لم يتمتع كثيرا بمعاشرة أمه الحبيبة ، فقد نشأ منذ رضاعته في البادية عند مرضعته حليمة السعدية رضي اللّه تعالى عنها حتى بلغ الخامسة ، ثم سلمته لأمه آمنة بنت وهب ، فمكث معها عاما واحدا ، وإذا المنية تدركها فتلحق بزوجها وتموت في الأبواء ، وهي في ريعان شبابها وزهرة جمالها كما سيأتي بيان ذلك ، فيبقى هذا اليتيم الكريم الذي أصبح فيما بعد ، رائد الأيتام ورسول الأنام عليه أفضل الصلاة وأتم السلام ، وحيدا فريدا من غير أب ولا أم ، ولا أخ ولا أخت ، ولا خال ولا خالة ، وعمره ست سنوات تماما ، فكان وحيد أبويه اللذين لم يتزوجا إلا مرة واحدة فقط .